السيد علي عاشور

61

موسوعة أهل البيت ( ع )

وعن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال : لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف اثنان : إنّ اللّه قبل أن يخلق الخلق قال : كن ماء عذبا أخلق منك جنّتي وأهل طاعتي ، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي ، ثمّ أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر والكافر المؤمن ، ثمّ أخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فإذا هم كالذرّ يدبّون ، فقال لأصحاب اليمين : إلى الجنّة بسلام ، وقال لأصحاب الشمال : إلى النار ولا أبالي . ثمّ أمر نارا فأسعرت ، فقال لأصحاب الشمال : أدخلوها فهابوها ، وقال « 1 » لأصحاب اليمين : أدخلوها فدخلوها ، فقال : كوني بردا وسلاما ، فكانت بردا وسلاما . فقال أصحاب الشمال : يا ربّ أقلنا . قال : قد أقلتكم فادخلوها ، فذهبوا فهابوها . فثمّ ثبتت الطاعة والمعصية ، فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ، ولا هؤلاء من هؤلاء « 2 » . وعن يحيى بن عقبة الأزدي ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال أبو جعفر عليه السّلام : مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ ، كلّما ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا . قال : وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : كان فيما وعظ به لقمان ابنه : يا بنيّ إنّ النّاس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا ولم يبق من جمعوا له ، وإنّما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا فأوف عملك واستوف أجرك ولا تكن في هذه الدّنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتّى سمنت فكان حتفها عند سمنها ، ولكن اجعل الدّنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدّهر ، أخربها ولا تعمرها . فإنّك لم تؤمر بعمارتها ، واعلم أنّك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللّه عزّ وجلّ عن أربع : شبابك فيما أبليته وعمرك فيما أفنيته ومالك ممّا إكتسبته وفيما أنفقته ، فتأهّب لذلك وأعدّ له جوابا ، ولا تأس على ما فاتك من الدّنيا ، فإنّ قليل الدّنيا لا يدوم بقاؤه وكثيرها لا يؤمن بلاؤه ، فخذ حذرك ، وجدّ في أمرك واكشف الغطاء عن وجهك وتعرّض لمعروف ربّك وجدّد التوبة في قلبك واكمش فيه فراغك قبل أن يقصد قصدك ويقضى قضاؤك ويحال بينك وبين ما تريد « 3 » .

--> - وأتباعهم ، والحاصل أنّه تعالى قد ينتقم لأوليائه من أعدائه ، وقد يمهلهم إتماما للحجّة عليهم ، فاتّقوا اللّه في الحالتين ، ولا تذيعوا سرّنا ، ولا تغترّوا بالدنيا وحبّها ، فيصير سببا للإذاعة للأغراض الباطلة ، أو للتوسّل بالمخالفين لتحصيل الدنيا ، أو باليأس عن الفرج استبطاء . « فكأنّ الأمر قد وصل إليكم » بشارة بقرب ظهور أمر القائم عليه السّلام وبيان لتيقّن وقوعه . ( 1 ) في الكافي والمرآة : فقال . ( 2 ) الكافي : 2 / 6 ح 1 ، وعنه البحار : 67 / 93 ح 14 ومرآة العقول : 7 / 16 ح 1 والوافي : 4 / 34 ح 1650 . ( 3 ) الكافي : 2 / 135 ج 20 ، والبحار : 13 / 426 ج 19 .